القرقيعان هو احتفال شعبي موروث في العديد من البلدان العربية، خاصة في الخليج والأحواز، ويُقام في منتصف شهر رمضان. يتميز الاحتفال بأجواء فرح، حيث يطوف الأطفال بالأحياء مرتدين أزياء تقليدية ويحملون أكياسًا لجمع الحلويات والمكسرات من الأهالي، وسط أناشيد وأهازيج شعبية تعكس الهوية العربية للأحوازيين.
إلا أن هذا التقليد لم يسلم من محاولات الهيمنة الثقافية الإيرانية، حيث سعت السلطات الإيرانية إلى تسييسه وإضفاء طابع ديني شيعي عليه، من أجل طمس هويته الأصلية وتوجيهه لخدمة أجندتها الأيديولوجية.
القرقيعان في الأحواز: تقليد عربي أصيل
يُعتبر القرقيعان جزءًا من التراث الشعبي العربي في الأحواز، إذ يشترك في مظاهره مع تقاليد دول الخليج والعراق. أهم مظاهره:
التجمعات العائلية: حيث يخرج الأطفال جماعات مرتدين ملابس تقليدية، مثل “الدشداشة” و”العباءة العربية”.
الأناشيد الشعبية: يردد الأطفال أهازيج تعكس البيئة الأحوازية والعربية.
توزيع الحلويات والمكسرات: تعبيرًا عن الكرم والفرح بقدوم النصف من رمضان.
المحافظة على التراث العربي: يعد القرقيعان رمزًا للهوية الثقافية الأحوازية ويشكل جزءًا من مقاومة محاولات محو التراث العربي.
محاولات إيران لاحتواء القرقيعان وتحويله إلى مناسبة دينية
تسعى السلطات الإيرانية إلى تغيير معالم هذا الاحتفال وتحويله من مناسبة اجتماعية وتراثية إلى مناسبة دينية تتماشى مع الخطاب الإيراني الشيعي، عبر وسائل متعددة، أبرزها:
أ. ربطه بالإمام الحسن بن علي
تروج السلطات الإيرانية لرواية أن القرقيعان مرتبط بولادة الإمام الحسن، بهدف نزع طابعه الشعبي العربي وجعله مناسبة دينية شيعية.
يتم توجيه الخطب الدينية في المساجد والحسينيات خلال هذه المناسبة للحديث عن “فضل الإمام الحسن”، بدلاً من التركيز على البعد الثقافي والاجتماعي للاحتفال.
ب. فرض مظاهر دينية شيعية على الاحتفال
تغيير الأهازيج الشعبية واستبدالها بأناشيد دينية تتحدث عن أهل البيت، مما يؤدي إلى فقدان الطابع الشعبي الاحتفالي.
إدخال مجالس حسينية ضمن فعاليات القرقيعان، حيث تُلقى خطب دينية تمجد النظام الإيراني وتروج لأيديولوجيته.
إجبار المدارس على إقامة أنشطة دينية خلال هذه المناسبة، بدلاً من السماح بالاحتفالات الشعبية التقليدية.
ج. سيطرة العناصر الإيرانية على الفعاليات
تقوم المؤسسات الإيرانية، مثل الحرس الثوري والباسيج، بتنظيم الاحتفالات تحت إشرافهم لضمان عدم خروجها عن الإطار الذي يريدونه.
يتم توزيع كتب وكتيبات دينية بدلاً من الحلويات التقليدية، وذلك بهدف نشر الفكر الشيعي السياسي بين الأطفال.
إدخال شخصيات دينية تابعة للمرجعيات الإيرانية ضمن الاحتفالات، ليكون لهم دور في توجيه الرسائل الدينية والسياسية.
د. منع المظاهر العربية التقليدية
قمع الاحتفالات التي تتضمن رموزًا تراثية عربية، مثل ارتداء الملابس الأحوازية التقليدية.
التضييق على استخدام الأهازيج والأغاني الشعبية العربية، بحجة أنها “غير دينية”.
فرض اللغة الفارسية في بعض الاحتفالات، مما يقلل من استخدام اللغة العربية في المناسبة.
الهدف الإيراني من تسييس القرقيعان
تسعى إيران من خلال احتواء القرقيعان إلى تحقيق عدة أهداف:
1. طمس الهوية العربية الأحوازية: عبر تحويل الاحتفالات الشعبية إلى مناسبات دينية رسمية تحت إشراف السلطات.
2. توطيد النفوذ الأيديولوجي: بربط كل المناسبات الاجتماعية بالمذهب الشيعي الإثني عشري.
3. السيطرة على الأجيال الجديدة: من خلال توجيه الأطفال منذ الصغر نحو الثقافة الإيرانية بدلاً من الثقافة العربية.
4. خلق حالة من التبعية الثقافية: بحيث يصبح كل مظهر ثقافي في الأحواز جزءًا من مشروع إيران الديني والسياسي.
ردود الفعل الأحوازية
رغم محاولات الهيمنة الإيرانية، فإن المجتمع الأحوازي يبذل جهودًا للحفاظ على طابع القرقيعان العربي الأصيل، ومن بين هذه الجهود:
إحياء الأهازيج والأغاني التراثية، حتى لو تم التضييق عليها.
إقامة احتفالات خاصة في البيوت والأحياء بعيدًا عن الرقابة الإيرانية.
تعزيز نشر الوعي بين الأجيال الجديدة حول الأصل العربي للقرقيعان، وتشجيعهم على التمسك بتقاليدهم.
مقاومة محاولات إدخال الطابع الفارسي أو الديني السياسي على الاحتفال.
الخاتمة
القرقيعان ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل هو رمز للصراع الثقافي بين الشعب الأحوازي والسلطات الإيرانية التي تحاول طمس كل ما يمت بصلة إلى الهوية العربية. ومن خلال إضفاء الطابع الديني السياسي عليه، تحاول إيران استخدام هذه المناسبات لترسيخ سيطرتها الثقافية. ومع ذلك، لا يزال الأحوازيون يقاومون هذه المحاولات عبر التمسك بتراثهم وتقاليدهم، رغم القمع والتضييق.
سعيد حميدان
رئيس حركة النضال العربي الأحوازي
مارس 2025